Archive for ديسمبر 2008
أسبوع التدوين عن الجولان: سيبقى أَصْلِي من الجولان
“ياسر، من أين أنت؟“
في كل مرة يسألني فيها شخص هذا السؤال، يتحرك في نفسي مزيج خافت من مشاعر غامضة.
أجيب: “من سوريا.. من دمشق.”
أتريث قليلا، محاولا هضم ذلك المزيج المعقد، ثم أكمل:
“لكن.. أصْلِي من الجولان.“
صحيح أنني لم أولد في الجولان كما فعل أبي وأمي..
وصحيح أنني لم أترعرع في ربوع الجولان كما فعلا..
وصحيح أنني لم أتمتع في صباي بعذوبة مياه بحيرة طبريا، أوبرودة ثلوج جبل الشيخ، أو خضرة بساتين بئر عجم والبريقة كما فعلا..
وصحيح أنني لم أخض تجربة النزوح كما فعلا..
لكن، بيقى أصْلِي من الجولان.
القصة لا تنتهي – أو بالأصح، تبدأ – هنا.
من يعرفني جيدا يعرف أن جوابي أعلاه ليس مكتملا، لأنني في الحقيقة شركسي الأصل أبا عن جد. والشراكسة (أو الأديغة) هم شعوب شمال القفقاس، تلك المنطقة الجبلية الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود، والتي تقسمها جبال القوقاز الشاهقة.
قاومت هذه الشعوب الحملات التوسعية الروسية لمدة تزيد عن 100 عام، لكن تلك الحرب انتهت عام 1864 بسيطرة روسيا على أراضي الأديغة، التي مارست سياسة التذويب تحت الحكم الشيوعي فيما بعد. هاجر العديد من سكان المنطقة الأصليين إلى أنحاء مختلفة من الإمبراطورية العثمانية، وانتهى المطاف بأجدادي في هضبة الجولان، حيث استقبلهم أهلها الطيبون بكرم ضيافتهم، واستقروا فيها وصاروا منهم.
ولذلك، يبقى أصْلِي من الجولان.
وكأن التهجير القسري مرة لم يكن كافيا، فقد اضطر أهلي إلى النزوح من هضبة الجولان جراء الإحتلال الإسرائيلي عام 1967. كان العديد من النازحين يظن أنهم سيعودون إلى ديارهم في غضون أيام قليلة، وأن الأمر لن يطول كثيرا. لكن الأمر استغرق حوالي 7 سنين. في عام 1974، أعادت إسرائيل لسوريا جزءا من الجولان يضم مدينة القنيطرة وما حولها. قبل رحيله، لم يتوان جيش الإحتلال عن ترك بصمة الدمار والتخريب في تلك المنطقة.
وما زالت إسرائيل تبسط سلطتها على ما يمكن اعتباره الجزء الأهم استراتيجيا من هذه الهضبة، وما زال غالبية سكان ذلك الجزء رافضيين تماما للهوية الإسرائيلية.
وإلى أن يعود جولاننا الحبيب، وحتى لا أنساه، فليس لي إلا قصص أبي، وذكريات أمي.
وسيبقى أصْلِي من الجولان.

